الشريف الجرجاني

45

الحاشية على الكشاف

الكيفيات التابعة للمزاج والله تعالى منزه عنها . وقيل أراد الميل الجسماني : أي الانعطاف والانحناء ، وليس بصحيح فإنه ليس معنى الرحمة وإن كان مشابها لمعناها ومسببا عنه ومدلولها لبعض ما يلاقيها في الاشتقاق كالرحم ، أولا ترى أنه جعل الإنعام مسببا عن رقة لا عن الانحناء ( قوله هو مجاز عن إنعامه ) أي مجاز مرسل ، فإن الرحمة والرقة سبب للإنعام كما بينه ، ولو جعل مجازا مرسلا عن إرادة الإنعام لجاز ، فإن الرحمة سبب للإرادة أولا ، وبواسطة الإرادة للإنعام ثانيا ، ويجوز أن يجعل استعارة على سبيل التمثيل كما اختاره في الغضب ، وقد يتوهم أنه جعل الرحمة مجازا عن الإنعام والغضب عن إرادة الانتقام إشارة إلى أن رحمته سبقت غضبه ، فهو للإنعام فاعل وللانتقام مريد ، وإن كانت إرادته مفضية إلى فعله قطعا ، وسيرد عليك تفصيل الكلام وتحقيقه هناك بعون الله وتوفيقه ( الفظاظة ) الغلظة ( عنف ) بضم النون مخففة من العنف وهو ضد الرفق ، يقال عنف عليه وعنف به ، وقد يوجد في بعض النسخ : بالتشديد من التعنيف وهو التعيير واللوم فيحتاج إلى تضمين معنى العنف : أي عيرهم عنيفا بهم ( قوله فلم قدم ما هو أبلغ من الوصفين ) تفريع على ما ذكر من أن الرحمن أبلغ في المعنى من الرحيم ، وكلمة من هذه تبعيضية ، والتفصيلية مقدرة : أي ما هو أبلغ من صاحبه من هذين الوصفين ، وتلخيص الجواب أن الأبلغ إذا كان أخص مما دونه ومشتملا على مفهومه تعين هناك طريقة الترقي ، إذ لو قدم الأبلغ كان ذكر الآخر عاريا عن الفائدة كما في الأمثلة المذكورة ، فإن النحرير يشتمل على مفهوم العالم وزيادة ، وكذا الباسل والقناص بالقياس إلى الشجاع والجواد . وأما إذا لم يكن الأبلغ مشتملا على مفهوم الأدنى كالرحمن والرحيم إذا أريد بالأول جلائل النعم وبالثاني دقائقها جاز سلوك كل واحد من طريقي التتميم والترقي نظرا إلى مقتضى الحال . ولما كان الملتقت إليه بالقصد الأول في مقام العظمة والكبرياء جلائل النعم وعظائمها دون لطائفها ودقائقها قدم الرحمن وأردف بالرحيم كالتتمة تنبيها على أن الكل منه ، وأن عنايته شاملة لذوات الوجود كيلا يتوهم أن محقرات الأمور لا تلقيق بذاته فيحتشم عنه من سؤالها ، وقيل الرحمن ناسب اسمه العلم من جهة الاختصاص والدلالة على زيادة المعنى فكان تقديمه أولى . وقيل تأخير الرحيم للترقي فإنه أبلغ من الرحمن ، فإن فعيلا للأمور الغريزية كشريف وكريم